الشيخ علي الكوراني العاملي
48
الولادات الثلاث ( ط 2 - 1440 ه - )
قال : إن الروح مقيمة في مكانها ، روح المحسن في ضياء وفسحة ، وروح المسئ في ضيق وظلمة . والبدن يصير تراباً كما منه خلق ، وما تقذف به السباع والهوام من أجوافها ، مما أكلته ومزقته ، كل ذلك في التراب محفوظ عند من لا يعزب عنه مثقال ذرة في ظلمات الأرض ، ويعلم عدد الأشياء ووزنها . وإن تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب ، فإذا كان حين البعث مطرت الأرض مطر النشور فتربو الأرض ، ثم تمخضه مخض السقاء فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا غسل بالماء ، والزُّبد من اللبن إذا مخض ، فيجتمع تراب كل قالب إلى قالبه ، فينتقل بإذن الله القادر إلى حيث الروح ، فتعود الصور بإذن المصور كهيئتها وتلج الروح فيها ، فإذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئاً ) . وروى الطبري في تفسيره ( 8 / 274 ) شبيهاً به عن أبي هريرة ولم يرفعه قال : ( إن الناس إذا ماتوا في النفخة الأولى أمطر عليهم من ماء تحت العرش يدعى ماء الحيوان أربعين سنة ، فينبتون كما ينبت الزرع من الماء ، حتى إذا استكملت أجسامهم نفخ فيهم الروح ) . وقال تعالى : وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا . ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا . ( نوح : 17 - 18 ) . وهنا مسائل : الأولى ، حقيقة أعمالنا وأن عمقها نوايا ثم أفعال ، وإنما العمل النية . والثانية ، تأثير عملك على روحك وبدنك . والثالثة ، التأثير الوضعي أي التكويني للعمل على الروح والبدن . والرابعة ، التأثير المجعول من الله تعالى للعمل على الروح والبدن . وفي كل واحدة منها بحث مفصل ، وقد أجمع المسلمون على أن النية أصل العمل وعمقه ، وأن الأعمال الخيِّرة والشريرة تؤثر بشكل مباشر وغير مباشر على الروح والبدن ، ومنها ما يتجسد عند موت الإنسان ، أو في قبره ، أو يوم القيامة .